ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
تخيلوا أنكم في السينما, جالسين أمام شخص يأكل اللوز الساخن المغمس بالسكر والقرفة . اليكم ما يجري بشكل عام :
أولاً: يبدا دماغكم بمرحلة (( التعلم )) , اي أنة يكتشف شيأ جديداً , فيلتقط الصور والأصوات وطريقة جلوسكم ورائحة اللوز السكرية . تدور هذة المرحلة خمساً واحداً من الثانية وتتعلق بالمعلونات الحسية التي نتلقاها.
ثانياً: الصورة التي رأيتموها للتو ستترتب تلقائياً في حجرة , هي الذاكرة الفورية والتي يسمى نطاقها ((مدى محفوظة الذاكرة )) (ما يستوعبفي الذاكرة في لمحة واحدة ) . تشكل المعلومات الحسية مجموعة واحدة متكاملة بالنسبة ألى الدماغ , فيرسلها بواسطة السائل العصبي ألى الحُصَين الذي يقرر مصيرها , بصفة حارساً للهيكل , فأما أن يقبل المعلومات وأما أن يرفضها . وقد يقرر تحويلها ألى الذاكرة الطويلة الأمد أو تركها في هذة الحجرة حيث ستختفي بعد دقائق . وعندما يرى أن الفلم ٍ يير اهتمامكم للغاية , يقرر تخزين المعلومات ويكلف الدماغ الذي يرتبط بالحواس teleencephale بالمهمة الثالثة .
ثالثاً: أثناء العرض , يَنقل الفلم (مع الروائح اللذيذة! ) ألى التخزين الذاكري . فيرسل الدماغ المرتبط بالحواس المعلومات بحسب طبيعتها : فتتكدس الصور في الجزء البصري في الدماغ , وتضاف رائحة اللوز ألى الروائح الأخرى وتصنف في الجزء المرتبط بحاسة الشم . تجمع هذة المرحلة معطيات الفلم ( الصورة , الممثلون , القصة ...) ورموزها في آن معاً . ويستند المجموع ألى عملية ترابطية ( الفيلم + الروائح + الكرسي + ....) كما يعزز بنظام دعم يسمح بتجنب فقدان أي معلومات . ولتسجيل تفاصيل ما جرى في السينما يستعين الدماغ المرتبط بالحواس بآلاف الطرق بين الخلايا العصبية .
رابعاً: تريدون أن ترووا الفيلم أو تفكرون بكل بساطة فية في الأسبوع التالي فيما أنتم تتنزهون . ستستخدمون وظيفة التذاكر , أي أنكم ستبحثون عن المعلومات المخزنة لأحيائها في جديد . وهذا ما يسمى التذكر أو ألاستذكار .
رابعاً ( مكرر): تقررون مشاهدة الفيلم مجدداً لأنة أعجبكم للغاية . بالتالي , ستجري مواجهة جديدة لكن الظروف تبدلت بشكل طفيف ( قاعة السينما مختلفة , ما من رائحة لوز بالقرفة ...) . وهذا ما يسمى التعرف على الذكريات .
في الواقع , تكمن المرحلتان الرابعة والرابعة مكرر , اللتان تعيدان أحياء ما حصل في السينما , في أعادة تنشيط طريفق الخلايا العصبية نفية الذي تمت الاستعانة بة لتخزين المعلومات في الذاكرة . لهذا , تعود للظهور رائحة اللوز بالقرفة , ويمر أمام عينيكم أعلان الفيلم أو تتذكرون جملة من الجمل بعد أسابيع . ألا أذا ارتبطت رائحة اللوز بالقرفة بذكرى أكثر قوة ( أي محملة بمشاعر أقوى ) , كأحدى الحفلات مع الخطيب او الحبيب . في هذه الحال , تسيطر الذكرى الأكثر إثارة للعواطف .
هذا الوصف المبسط للغاية للعملية يظهر أن الحفظ في الذكرة يستعين بالدماغ بكامله تقريباً . وإذا كانت الدورة المحددة التي تتطلبها العملية كلها متضررة , فقد كل الذاكرة غير قابلة للإصلاح .
وقد يحدث هذا إثر التعرض لحادث سير مثلاً . لكن مناطق أخرى من الدماغ تلعب دوراً محدداً: فما من تخزين معلومات من دون الفص الصدغي lobe temporal , وما من تذكر وتعرف على الذكريات من دون الفص الجبيني lobe fronal , والكل لا يعمل إلا إذا كانت حالة التنبه جيدة . وحتى لو كانت هذه الدورات تعمل بشكل جيد . إلا أن عد فعالية الوسائط العصبية ( او عدم فهمها ) يؤدي الى ضياع الذاكرة . باختصار : ليس كل ما نتلقى جدير بالتذكير . دونوا هذا الكلام في مفكرتكم الخاصة , فهو يستحق ذلك !
تجدير إلاشارة الى أن الذاكرة تستعين بعدد من الوطائف الجسدية لتحقيق هذا المآثر , فتزيد دفق الدم و الأيض الدماغي وتصنيع البروتينات . باختصار : الذاكرة تاكل لا بل تلتهم .
هل يمكن أن نعاني من قوة الذاكرة ؟
لا تشبه الذاكرة البتة خزانة ضخمة ذات أدراج عديدة نخرج عندما نشاء . فهي لحسن الحط تنسى , فإذا ما تذكرنا كل لحظة , تنسى الأمور العامة لنهتم بالتفاصيل . ويحصلهذا عندما الإصابة ببعض الأمراض النفسية , حيث لا يستطيع المرضى إلا أن يتذكروا كافة التفاصيل . وهذا الأمر ليس دليلاً على ((ذكاء خارق )) , بل على العكس فهو يظهر أن الوظائف المسماة عليا , والتي يفترض بها أن تصنف المعلومات و أن تتخلص من تلك غير الضرورية لا تعمل بشكل صحيح .
لا يمكن الوثوق كلياً بالذكريات التي نحملها عن فترة بعيدة . فهذه الذكريات قد تكون غير دقيقة كما قد تكون كاذبة . لعلنا أقنعنا أنفسنا في تلك الفترة بأمر ما فبقي راسخاً في ذاكريتنا كما لو أنه أمر (( حقيقي )) . من جهة أخرى , فأن الذاكريات مرنة جداً : إذ انها تعيد بناء الحقائق وتفسرها دوماً بحسب المعارف الجديدة التي تكتسبها , والتجارب التي تمر بها , .........
ذاكرة خارقة = ذكاء محدود
إن أصحاب الحس المتزامن synesthets أشخاص فريدون , فهم يربطون بين إحساسات مختلفة ليدمجوها في إحساس واحد . فكلمة (( عطر )) مثلاً تذكرهم باللون الأصفر , أو يحملهم الرقم ((5)) على الفور إلى عالم الشوكلا اللذيذ . وبالتالي فحياتهم فوران دائم للحواس , وهذا التيقط الدائم للانتباه يمنحهم ذاكرة استثنائية , خارقة . في الواقع , تكون هذه الذاكرة اكثر يقظة كلما استفادت من (( دعائم عدة )) . يمكننا مثلاً أن ننسى طبقاً عادياً كالبيتزا , لكن إذا ما أكلنا البيتزا مع (( الحبيب )) فسندكر حبوب الزيتون السوداء المالحة تعلو الطبق . وتبقى هذا الذكرى راسخة في ذكرياتنا . إذن , فالذاكرة تربط ما بين البيتزا و الأحساسيس المحيطة الإيجابية , ما يعني اننا خزنا المعلومات عبر طريقين مختلفين .
هذا ما نطلبه تحديداً من الأشخاص الذين يشتكون من النسيان الكفاجئ : أن يربطوا بين رقم هاتف و شخص معين أو غرض معين , أو أي شئ آخر , المهم ألا تبقى المعلومات وحيدة وأن تعزز بمعلومات أخرى . ولئلا ينسوا , ابتكربعض الأشخاص انظمة تذكير تكاد تكون مؤكدة النجاح . إذا ما استرجعنا صورة شارع حفر قي ذكراتنا منذ الطفولة ( سواء اكانت الأماكن حقيقية أم لا ) , فمن الممكن أن نزرع على طوله (( واجهات )) وهمية . يكفي عندئد ان نتصور أننا نسير فيه وأن (( نرى )) في (( المحال )) ما علينا ألا ننساه . بعض الرضيين الذين لا يستويهم التسوق , تصور الركض في ملعب لكرة القدم حيث يضعون ما يودون حفظه مكان اللاعبين الآخرين أو الحكم . لكل منا طريقته الخاصة , لكن النتيجة مذهلة .
لنعد إلى أصحاب الحس المتزامن , فالأمور ليست ممتازة بالنسبة إليهم بل على العكس . أولاً , الإحساسات التي يشعرون بها ليست لطيفة دوماً ( الرقم ((8)) مثلاً قد يثير ذكرى حائط خشن او رائحة سمك عفاً )) . ثانياً , ما من تراتيبة للمعلومات او الذكريات لديهم , فكلما تتخ الاهمية نفسها . ومن ناحية اخرى , فإن (( تدفق )) الإحساسات يضر بعملية الفهم : أصحاب الحس المتزامن لا يدكرون بعقولهم ما يقرأون أو يسمعون أو يرون . إن ذاكرتهم (( الاساسية )) قوية إجمالاً , لكن الذاكرة المسماة (( العليا )) ( ذاكرة المفاهم و المعارف العامة ) تعاني من نقص في الافكار المجردة . بالنسبة للإخصائيين , فقد ورث أصحاب الحس المتزامن دماغاً غير ناضج و عاطفي للغاية .
وتقع العقوبة نفسها على المتوحدين autistes (المصابين بمرض التوحد ) الذين يثيرون إعجابنا بذاكرتهم الخارقة . لكن الأمر ليس بهذه البساطة بحسب العلماء , فقدرتهم الفريدة تأتي من أهم يحفظون التفاصيل بدلاً من الكل ز بمعنى أخر , يتميز هؤلاء بذاكرة سطحية جيدة , وليس بذاكرة شمولية جيدة ز وهذه الذاكرة السطحية الموجودة لدى كل واحد منا , تمحى عادة لتترك المكان لتخزين (( أنبل )) أذكى . فما الفائدة مثلاً من احتساب عدد المساوك التي وقعت من العلبة في ثلاث ثوانِ ؟
فكرة المنزل
لجلاء الأمر واكتشاف حقيقته , لجأ آلان سنيدر وروبين يونغ إلى تجربة مثيرة ليثبتا أن المتوحدين لا يتمتعون بموهبة حفظ خارقة . انطلقا من مبدأ ان موهبة هؤلاء , في حال كانو يتمتعون بموهبة خاصة , يجب ان تترافق مع نمو محدد لبعض المناطق الدماغية من جهة ومع تحسن تطور مع الوقت والتدريب من جهة أخرى . يجد المتواحدين صعوبة فائقة في تحويل ما يرونه إلى مفاهيم : فإذا ما حاولوا رسم منزل , رسموه مع الحجارة والجلوف الخ ... في حين أن الطفل يرسم عادة مربعاً مع النوافد و باب لتصوير (( فكرة المنزل )) . بواسطة تنبيه مغنطيسي للرأس , خفف عالما النفس هذان , اللذان يعملان في مستشفى اسبريه الجامعي , الوظائف الدماغية العليا لبعض المتطوعين الاصحاء , بغية منعهم من تحويل ما يرونه إلى مفاهيم . وقد ربحا الرهان : فالمتطوعون أصبحوا عاجزين عن حفظ المعلومات الهامة ورفض تلك التي لا أهمية لها أبداً . من جهة أخرى , أصبحوا يجيدون الحساب بشكل مذهل !
إذاً , ينبغي أن نختار بين الذاكرة المذهلة والذكاء . من الادر طبعاً أن نسمع أناساً يشتكون من قوة الذاكرة , لكن العكس صحيح ... فمع مرور السنين , نحن نستعيد شبابنا كما تعلمون ...